الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

112

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كما تقدم . وموقع كَلَّا على هذا التأويل موقع الجواب بالإبطال ، وموقع جملة : لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ موقع العلة للإبطال ، أي لو قضى ما أمره اللّه به لعلم بطلان زعمه أنه لا ينشر . وتأوله في « الكشاف » بأنه : « ردع للإنسان عما هو عليه » أي ممّا ذكر قبله من شدة كفره واسترساله عليه دون إقلاع ، يريد أنه زجر عن مضمون : ما أَكْفَرَهُ [ عبس : 17 ] . ومنهم من يجعل الردع متوجها إلى ما بعد كَلَّا مما يومئ إليه قوله تعالى : لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ أي ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدى حق اللّه الذي نبهه إليه بدعوة الرسل وبإيداع قوة التفكير فيه ، ويستروح هذا من كلام روي عن مجاهد ، وهو أقرب لأن ما بعد كَلَّا لما كان نفيا ناسب أن يجعل كَلَّا تمهيدا للنفي . وموقع كَلَّا على هذا الوجه أنها جزء من استئناف . وموقع جملة : لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ استئناف بياني نشأ عن مضمون جملة : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ إلى قوله : أَنْشَرَهُ [ عبس : 18 - 22 ] ، أي إنما لم يهتد الكافر إلى دلالة الخلق الأول على إمكان الخلق الثاني ، لأنه لم يقض حق النظر الذي أمره اللّه . وأما الذين لم يلتزموا معنى الزجر في كَلَّا وهم الكسائي القائل : تكون كَلَّا بمعنى حقا ، ووافقه ثعلب وأبو حاتم السجستاني القائل : تكون كَلَّا بمعنى ( ألّا ) الاستفتاحية . والنضر بن شميل والفرّاء القائلان : تكون كَلَّا حرف جواب بمعنى نعم . فهؤلاء تأويل الكلام على رأيهم ظاهر . وعن الفراء كَلَّا تكون صلة ( أي حرفا زائدا للتأكيد ) كقولك : كلّا ورب الكعبة ا ه . وهذا وجه إليه ولا يتأتى في هذه الآية . فالوجه في موقع كَلَّا هنا أنه يجوز أن تكون زجرا عما يفهم من قوله : ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [ عبس : 22 ] المكنى به عن فساد استدلالهم بتأخيره على أنه لا يقع فيكون الكلام على هذا تأكيدا للإبطال الذي في قوله : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ [ عبس : 11 ] باعتبار معناه الكنائي إن كان صريح معناه غير باطل فقوله : إِذا شاءَ مؤذن بأنه الآن لم يشأ وذلك مؤذن بإبطال أن يقع البعث عندما يسألون وقوعه ، أي أنا لا نشاء إنشارهم الآن وإنما